السيد محمد الصدر

409

تاريخ الغيبة الصغرى

العامل الواحد ، باعتباره غائيا استهدافيا ، لا سببا فاعليا ، أي أنه من القسم الثاني من الأسباب الثلاثة لا من القسم الأول . وتقسيم النظريات إلى العامل الواحد والمتعدد ، إنما يكون باعتبار القسم الأول لا الثاني . وهو ينسجم - كما عرفنا - مع أي عامل من القسم الأول أو عدة عوامل مما يثبت صحته وسريان مفعوله في البشرية . الحقيقة السادسة : إن الماركسيين يؤكدون - كما سمعنا - وعي الناس وحريتهم في التصرف ، وقد سمعنا أسلوب جمعهم بين الحرية والضرورة وناقشناه . إذن يمكن القول - بشكل أو آخر - ان المادية التاريخية متضمنة للوعي والاختيار . وكذلك التخطيط العام للبشرية ، متضمن للاختيار ، بل هو مبتن عليه ومنطلق منه ، كما عرفنا . مع الاحتفاظ - بطبيعة الحال - بما للكون من ضرورة وقسر في أسبابه و ( قوانينه ) ، والاختيار إنما يكون من خلال الفرص المعطاة للانسان خلال تلك الأسباب والقوانين . وهنا نلاحظ ان الضرورة واردة من الكون ، بمعنى البشرية نعيشها بصفتها جزءا من الكون ، على حين تعيش الاختيار بصفتها الخاصة . وهذه الحقيقة تعبر عنها الماركسية بأن الضرورة واردة من قانون الديالكتيك ورفاقه وآخرية ناتجة من خلال وعي الأفراد . وأما نحن فنعبر عنه بأن الضرورة واردة من التخطيط الإلهي الكوني ، الذي عرفنا ان كل الأسباب والقوانين الكونية مسخرة في صالحه . واما الحرية ، فهي صفة قد فطر عليها الانسان من أجل إنجاح تكامله وتربيته بكلا التخطيطين الكوني والبشري . وبهذا نعرف ان الضرورة الواردة من الكون ، ضرورة عمياء في منطق الماركسية ، وهي تعترف بذلك ولكنها ضرورة مبصرة وواعية ومربية في منطقنا ، لأنها تتبع التخطيط الكوني للتكامل . كما أن الحرية حرية « عمياء » أي موجودة في الانسان بلا هدف ، في منطق الماركسيين ، على حين موجودة بهدف سام أصيل في منطقنا . فهذه هي الجهات الأساسية العامة ، في المقارنة بين التخطيط العام للبشرية والمادية التاريخية .